الجاحظ

361

الحيوان

وقولهم في المثل : « كل مجر في الخلاء يسرّ » [ 1 ] . وأنا أعوذ باللّه أن أغرّ من نفسي ، عند غيبة خصمي ، وتصفح العلماء لكلامي ، فإني أعلم أن فتنة اللسان والقلم ، أشدّ من فتنة النساء ، والحرص على المال . وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه ، أوّل ذلك العلة الشديدة ، والثانية قلة الأعوان ، والثالثة طول الكتاب ، والرابعة أني لو تكلفت كتابا في طوله ، وعدد ألفاظه ومعانيه ، ثمّ كان من كتب العرض والجوهر ، والطّفرة ، والتولد ، والمداخلة ، والغرائز ، والتماس - لكان أسهل وأقصر أياما ، وأسرع فراغا ؛ لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقّط الأشعار ، وتتبّع الأمثال ، واستخراج الآي من القرآن ، والحجج من الرّواية ، مع تفرّق هذه الأمور في الكتب ، وتباعد ما بين الأشكال . فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ ، ومن سوء تأليف ، أو من تقطيع نظام ، ومن وقوع الشيء في غير موضعه - فلا تنكر ، بعد أن صوّرت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي . ولولا ما أرجو من عون اللّه على إتمامه ؛ إذ كنت لم ألتمس به إلّا إفهامك مواقع الحجج للّه ، وتصاريف تدبيره ، والذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته - لما تعرّضت لهذا المكروه . فإن نظرت في هذا الكتاب فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج ، ولا يذهب مذهب التعنّت ، ومذهب من إذا رأى خيرا كتمه ، وإذا رأى شرّا أذاعه . وليعلم من فعل ذلك أنّه قد تعرّض لباب إن أخذ بمثله ، وتعرّض له في قوله وكتبه ، أن ليس ذلك إلّا من سبيل العقوبة ، والأخذ منه بالظلامة . فلينظر فيه على مثال ما أدّب اللّه به ، وعرّف كيف يكون النظر والتفكير والاعتبار والتعليم ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ [ 2 ] . 1111 - [ الحكمة في الأشياء الصغيرة ] فينبغي أن تكون إذا مررت بذكر الآية والأعجوبة ، في الفراشة والجرجسة ، ألّا تحقر تلك الآية ، وتصغّر تلك الأعجوبة ؛ لصغر قدرهما عندك ، ولقلّة معرفتهما عند

--> [ 1 ] مجمع الأمثال 2 / 135 ، 145 ، وفصل المقال 203 ، وأمثال ابن سلام 136 ، والمستقصى 2 / 229 . [ 2 ] 63 ، 93 / البقرة : 2 .